لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

هل تحمل الأقلية الشيعية التغيير في السعودية؟

في الذكرى الثانية لانطلاقة الربيع العربي، تتأرجح المنطقة الشرقية الغنية بالنفط في المملكة العربية السعودية بين مرارة الخيبة وبوادر الأمل. فقد ألهمت الثورة في تونس وميدان التحرير الناشطين المنتمين إلى الأقلية الشيعية هناك، فنظّموا احتجاجات للمطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين، وتطبيق إصلاحات سياسية، ووضع حد للتمييز. وبعد القمع الحكومي الذي أسفر عن سقوط 15 قتيلاً (تتحدّث بعض المصادر عن مقتل 21 شخصاً)، واعتقال أعداد كبيرة من الناشطين، لم تنحسر المعارضة بل تطبعها حالياً سجالات حادة بين الأجيال حول الأهداف والاستراتيجيات وآفاق التغيير الحقيقي.

ويبرز ذلك في شكل خاص في العوامية، تلك البلدة الشيعية الفقيرة التي تحيط بها بساتين البلح في المنطقة الشرقية. فمن يريد دخولها عليه الاعتماد على الأدلاّء المحلّيين لتجنّب الحواجز الرسمية المنتشرة على الطرقات الرئيسية. وعندما يدخلها، يجد بلدة مكتظّة بورَش تصليح السيارات، والمباني المتهاوية، والشباب الغاضبين. إنها مدينة تحت الحصار حيث تخترق الطلقات النارية سكون الليل باستمرار.

بعد عبور دوّار الكرامة، الذي يحاكي في تصميمه دوّار اللؤلؤة في البحرين، يظهر حصن ضخم للشرطة تحيط به الأبراج والآليات المدرّعة، ثم مبنى متداعٍ تتدلّى منه الرايات السوداء ومكبّرات الصوت. إنه مسجد الشيخ نمر باقر النمر، رجل الدين الشيعي الشعبوي الذي تحوّلت إصابته وسجنه على يد القوى الأمنية في تموز/يوليو 2011، شرارةً للاحتجاجات شبه الليلية في تلك البلدة وأماكن أخرى في المنطقة الشرقية. يقول النظام إن النمر يدعو إلى العنف والانفصال، بطلبٍ من إيران؛ ويضع أتباعه الشباب في السلّة نفسها مع تهديد "القاعدة" الذي واجهته المملكة قبل سنوات عدّة. لكن النمر يرفض العنف في خطبه وتصاريحه، التي غالباً ماتُلصَق على جدران العوامية، ويدعو إلى إصلاحات شاملة: وضع حدّ للتمييز المذهبي، والإفراج عن السجناء السياسيين، وتعزيز التمثيل، وتحقيق التنمية الاقتصادية في بلدة تقع، للمفارقة، عند حدود خط كبير لأنابيب النفط. لكن وقبل كل شيء، يطالب النمر بالكرامة. يؤكّد ناشط شاب لايزال يعرج بسبب إصابته برصاصة في ساقه: "يقول النمر مانشعر به في قلوبنا".

يقول أحد رجال الدين المحليين إن "العوامية هي فوّهة البركان وحسب. وحجم البركان لايُقاس بفوّهته". يطالب الناشطون الشباب في محافظة القطيف المجاورة بمقاربات جديدة وأكثر جرأة تختلف بوضوح عن الحوار الحذر الذي يتبنّاه الجيل الأكبر سناً من المفكّرين والناشطين الذين يُعرَفون بـ"الإصلاحيين". فالبعض، ولاسيما في العوامية، يعتبر أن هذه الشخصيات التي كانت موضع تقدير قبلاً، بعيدة عن الواقع ومقرّبة جداً من الحكومة. وقد بلغ هذا الاستياء أوجه في صيف العام الماضي، عندما أصدر 40 رجل دين شيعياً بياناً يحظّر التكتيكات العنفية. وكان الهدف منه التصدّي لتسلّل عناصر إجرامية مسلّحة إلى التظاهرات، بيد أن عدداً كبيراً من الناشطين الشباب رأوا في البيان مخططاً يرعاه النظام لخنق الاحتجاجات. يقول ناشط محلي إن "بيانهم كان شبيهاً بما تردّده الحكومة: "توقّفوا عن الاحتجاج، أنتم تتسبّبون بالفتنة"".

أما الناشطون والمفكّرون الشيعة الأكبر سناً فمعجبون بحماسة الشباب، لكنهم يشتكون من افتقارهم إلى البرنامج والتنظيم. لقد بُذِلت محاولة لتوحيد المجموعات المختلفة في المنطقة الشرقية في إطار "ائتلاف الحرية والعدالة"، لكنها منيت بالفشل. ربما توحي الصفحات التي تملكها مجموعات أخرى عبر موقع "فايسبوك" بأن هناك درجة من التنظيم والتماسك، إلا أن الواقع على الأرض مغاير. ينتقد البعض سذاجة الشباب لاعتقادهم أنه بإمكان معارضة محلية الطابع، تقودها أقلّية مذهبية، إطلاق تحرّك واسع النطاق على طريقة ميدان التحرير. فيلفت أحدهم قائلاً: "نحن أقلّية، إنها محافظة واحدة، ولايمكننا إطلاق ثورة". ويخالفه آخرون الرأي، مشيرين إلى أن المطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين، التي بدأت في الشرق، تحوّلت إلى تحرّك وطني عابر للمذاهب: ينظّم الناشطون السنّة في المعقل السلفي في القصيم احتجاجات منسَّقة للمطالبة بالإفراج عن رجال الدين الذين يتجرّأون على الكلام. ويعتبر الناشطون الشيعة الشباب أن هذه الشخصيات السنّية تستلهم، سواء أقرّت بذلك أم لا، من الجرأة في الكلام وثقافة الاحتجاج في المنطقة الشرقية.

ويصفّق فريق آخر في الجيل الأكبر سناً للشباب معتبراً أنهم "يتخطّون الأيديولوجيا" ويبتعدون إلى حدّ كبير عن المذهبية في مطالبهم، إذ يرفضون العقيدة الثورية الإيرانية التي ألهمت الإصلاحيين في البداية، ويتجنّبون عموماً الانقسامات الفقهية المبهمة بين المرجعيات الشيعية المتعدّدة. وعند الحديث معهم، اعتبر العديد منهم أن آية الله العظمى علي السيستاني هو مرجعيّتهم المفضّلة لأنه لايتدخّل في شؤونهم السياسية؛ حتى أن أحدهم ذهب إلى حدّ وصفه بـ"المرجعية العلمانية".

يظهر من الحديث مع الشباب الشيعة في المنطقة الشرقية ومع ناشطين أكبر سناً، أن لديهم استعداداً قوياً للانخراط مع رجال الدين والإصلاحيين السلفيين في مختلف أنحاء المملكة. ويحصل الجزء الأكبر من هذا التبادل بعيداً عن منتديات "الحوار" التي يرعاها النظام، والتي يرى فيها عدد كبير من الناشطين وسيلةً لتطويق أي نوع من التنسيق الهادف إلى فرض إصلاحات فعلية، وضبطه. فعلى سبيل المثال، أطلقت مجموعة من الشباب الشيعة مؤخراً حملة عبر موقع "تويتر" لدعوة السنّة في جدّة إلى المشاركة في احتفال لمناسبة المولد النبوي الشريف. ويقول أحد الناشطين منذ فترة طويلة في المنطقة الشرقية ممازحاً: "كانوا جميعهم يعتقدون أننا نتكلّم اللغة الفارسية هنا". ويجري العمل على مبادرة مماثلة تُعرَف بـ"التواصل الوطني" منذ نحو أربع سنوات.

لكن على الرغم من كل هذه الجهود، يتعثّر التواصل بسبب تجذّر المذهبية في المجتمع السعودي والسياسات الحكومية. لايزال عدد كبير من الإصلاحيين السلفيين يتردّدون في التقرّب كثيراً من الشيعة. والمثل الأبرز في هذا الإطار هو موقف الداعية السلفي، سلمان العودة، المعروف بتصريحاته الاستفزازية والذي يحظى بشعبية واسعة، إذلمّح علناً إلى الإصلاحات الديمقراطية، وتخلّى إلى حد كبير عن الخطاب المذهبي، حتى أنه استقبل وفوداً شيعية. غير أن الشيعة في المنطقة الشرقية يشتكون من أنه لم ينتقل إلى مرحلة التعاون الفاعل خوفاً من إثارة نفور قاعدته السنّية. ويقرّ أحد الناشطين في القطيف قائلاً: "لم يُترجَم الاحترام المتزايد بين السنّة والشيعة عملاً جماعياً. فعلنا كل ما في وسعنا؛ أصبحت الكرة الآن في ملعب الإصلاحيين السنّة".

هذا فضلاً عن أن تداعيات الأحداث في سورية على المجتمع السعودي لم تساعد على التنسيق في مجال الإصلاحات. ففيما يؤطّر رجال الدين الموالون للنظام الحرب الأهلية في عبارات مذهبية، مشوِّهين صورة العلويين، يتعرّض الشيعة في المنطقة الشرقية إلى ضغوط متزايدة، إذ يُعتقَد أن عدداً كبيراً منهم يتعاطف مع نظام الأسد، مع أن نمر باقر النمر، وهو على الأرجح الأعلى صوتاً بين الأئمة الشيعة، دعا إلى سقوط بشار. كما أن تصريحات المسؤولين السوريين (والإيرانيين) تصبّ الزيت على النار؛ فما يدفع الحكومتَين السورية والإيرانية إلى الاهتمامبشؤون المنطقة الشرقية هو الترويج لجداول أعمال تخدم مصالحهما الخاصة في المنطقة. فعلى سبيل المثال، اقترح المندوب السوري لدى الأمم المتحدة في آذار/مارس من العام الماضي إرسال قوات سورية لحماية سكّان القطيف، بعدما كان المندوب السعودي قد تحدّث عن وجوب إرسال قوات سعودية إلى سورية لوقف المجازر بحق الشعب السوري.

على مشارف الذكرى الثانية لما يُعرَف محلياً بـ"الثورة الشرقية"، ليس واضحاً ماذا تغيّر منذ آذار/مارس 2011، إن كان هناك من تغيير. لقداتّخذت الحكومة بعض الخطوات الرمزية للتخفيف من حدّة المذهبية و"حماية الوحدة الوطنية"، بما في ذلك إغلاق المحطات التلفزيونية التي بثّت خطاباً مناهضاً للشيعة، وتعيين نائب شيعي إضافي في مجلس الشورى غير المنتخَب، وبناء مركز للحوار بين الأديان في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2012 (في فيينا في النمسا، في مؤشّر معبِّر عن حدود الحوار داخل السعودية). لكن الأهم هو إقالة الأمير محمد بن فهد الذي يحكم المنطقة الشرقية منذ العام 1985، من منصبه. كان الشيعة في المنطقة يلقّبون الحاكم بـ"السيد 50/50" في إشارة إلى الحصص التي يُقال إنه يقتطعها لنفسه في العقود المحلية، وهي التسمية التي يطلقها أيضاً الناشطون البحرينيون على رئيس وزرائهم الفاسد، خليفة بن سلمان آل خليفة. وفي حين لقيت إقالة محمد بن فهد ترحيباً في الأوساط المحلّية، ظلّ عدد كبير من الناشطين متشائمين بشأن آفاق التغيير الحقيقي، مشيرين إلى أن سياسة المنطقة الشرقية تُدار مركزياً من الرياض، وتحديداً من وزارة الداخلية، وليس من الحاكمية المحلية.

أخيراً، يستشهد عدد كبير من الأشخاص في المنطقة الشرقية بتحقيق شامل في الاضطرابات في المنطقة الشرقية، نشره مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في تشرين الأول/أكتوبر 2012، وجرى تسريبه إلى موقع إلكتروني معارِض. فالتقرير المؤلّف من 125 صفحة والذي يستند إلى مقابلات موسَّعة أُجريَت في المنطقة الشرقية، لافت بموضوعيّته وتطرّقه بالتفصيل إلى أسباب المعارضة في المنطقة الشرقية بوصفها مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية متجذِّرة، بعيداً من التفسيرات المعهودة التي تتحدّث عن إجرام أو نوايا تخريبية مدعومة من إيران. ويعلّق ناشط شيعي في منطقة الصفوة قائلاً "إنه بمثابة تقرير بسيوني"، في إشارة إلى لجنة التحقيق المستقلّة في البحرين. لكن المؤسف أن الوثيقة قد تلقى مصيراً مماثلاً لتقرير بسيوني، إذ إنه من غير الواضح ما إذا كانت للسلطات السعودية القدرة، أو حتى الإرادة، للعمل بتوصياتها.

مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
فريدريك ويري هو باحث أول في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. يستند هذا المقال إلى معلومات جمعها خلال زيارة قام بها إلى المنطقة الشرقية في السعودية في كانون الثاني/يناير 2013. سيصدر كتابه "السياسة المذهبية في الخليج: من حرب العراق إلى الانتفاضات العربية" (Sectarian Politics in the Gulf: From the Iraq War to the Arab Uprisings) عن مطبعة جامعة كولومبيا في وقت لاحق هذا العام.