لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

الإنزلاق

الساعة الحادية عشر ليلة الجمعة. فتح باب الكراج، ركن سيارته. بمجرد أن دلف داخل البيت أحس بوجود ماء يبلل قدميه. أشعل النور. وجد الماء وقد غطى أرضية السراميك. بحث عن مصدر الماء. اكتشف أن الماء يأتي من حمام الصالة. تفحص الحمام. وجد أن ماسورة قد انفجرت بسبب ضغط الماء. أغلق مصدر الماء. لكن كانت فتحة التصريف مغلقة الأمر الذي ساعد على انتشار الماء في أرجاء البيت. حاول فتحها بيده فما استطاع بسبب ثقل الماء فوقها والذي كان قد غطى كل أرضية الحمام. هرول خارجا ًليحضر أداة تساعده على رفع غطاء فتحة التصريف. عاد مسرعاً. بسبب الماء انزلق في الصالة ليرتطم رأسه بالسراميك. لم يحس بألم شديد نتيجة الإرتطام لكن الدم انفجر من رأسه بغزارة. مع هذا كان همه أن يصل الى الحمام لكي يرفع غطاء الفتحة لتصريف الماء. نجح في ذلك رغم الدم الذي استمر ينزف من رأسه. تناول قطعة قماش شد بها على جرحه فسرعان ما غمرها الدم. رماها. أتى بفوطة. حصل الشيء نفسه. استنتج أن جرحه لا بد أن يكون عميقا ً والا ما كان الدم يخرج بهذه الكميات ــ علم فيما بعد من الطبيب أن الدم كان يتدفق من شريان ــ حينئذ فكر في ضرورة الإتصال بأهله. بعد أكثر من محاولة تم الاتصال وطلب منهم المجيء الى البيت بسرعة. أخبرهم بأن ثمة حالة خطرة في البيت. لم يكن هناك وقت ليوضح لهم تفاصيل ما يحدث. أصابهم الإرتباك والهلع، وبفكرهم طافت شتى الإحتمالات. الآن شعر بأن هناك سباقا ً يجرى بين تدفق الدم من جرحه من جهة وبين وصول الأهل، من جهة أخرى. تملكه الإحساس بأن هذه لحظات حرجة، خطيرة، وأن نتيجة هذا السباق يمكن أن تكون فاصلة. فكر في وضعه هذا وقال إن الله رحيم في كل الأحوال. شعر بحالة استسلام. صار يردد في ذهنه مقاطع من الأدعية يحفظها عن ظهر قلب: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني اذا كانت الوفاة خيرا ًلي. الحمد لله الذي رباني في الدنيا بنعمه وأشار لي في الآخرة الى عفوه وكرمه. الهي عظم أملي وساء عملي فأعطني من عفوك بمقدار أملي، ولا تؤأخذني بأسوأ عملي. قرأ آية الكرسي. رغم كل شيء، هو حسن الظن بالله...

أخيراً عاد الأهل. أصابهم الهلع نتيجة المنظر الذي رأوه. جميع أرضية البيت مغمورة بالماء. ليس مجرد ماء، لكنه ماء مختلط بالدم. ندت عنهم صرخات فزع. أشار الى جرحه ليعلموا بأن ذلك سبب ما يرونه من حمرة. طمأنهم بأن لا شيء آخر أسوأ قد يتصورونه. في نفس الوقت حذرهم من الإندفاع بالسير وسط هذا الماء ــ الدم.

حمد الله. إنه الآن لم يعد يعالج الموقف بمفرده. ترك لهم مهمة التصرف السريع نحو حمله الى أقرب مستشفى لإسعافه. كان وقتا ً صعبا ً. عانى إرهاقا ً. لم يعد الى البيت الا الرابعة صباحاً. لكن الحالة كانت مستقرة.

فيما بعد، كان يحدث ويقول: قبل أن أنزل من سيارتي في تلك الليلة كنت قد أخرجت صدقة ليلة الجمعة وحفظتها في السيارة، فقد رأيت أن إخراج الصدقة وأنا في السيارة أسهل وأسرع من إخراجها داخل المنزل بسبب وجود محفظة النقود بجواري. أضاف: في البداية ترددت في أن أتكلم عن هذه الصدقة التي لم تمض الا ثواني معدودة بين إخراجي لها وبين ما حدث، لكنني في النهاية اقتنعت بأن أبوح بأمرها لسبب واحد هو ما حملت هذه الصدقة من مغزى. فقد جاءت ــ على عكس ما يتبادر الى الذهن لأول وهلة ــ دليلا على أن الصدقة تدفع البلاء.

ماذا كان يمكن أن يحدث لو أنني فقدت الوعي ــ كنتيجة لشدة الإرتطام ــ ولم أتمكن من عمل الإتصال الهاتفي؟

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أحمد الخرمدي ( أبوكمال )
16 / 3 / 2013م - 2:46 م
قمة الأدب والرواية ....................... !!
موفق أنشاء الله .