




كنت جالساً مع أحد الأخوة الفضلاء بينما كنا نشاهد على التلفاز مشاهد لحفل يقوم به بعض أفراد إحدى الطوائف الإسلامية ابتهاجاً بمناسبة دينية تمتاز لديهم وفقاً لمرجعيتهم التراثية بخصيصة تجعل من المتعذر على كافة المنضوين تحت لواء مرجعيتهم التماهي معها بدون التعاطي مع طقوس معينة ترافقها في الغالب، لم يكد أول تلك المشاهد يطل من على شاشة التلفاز حتى بادر صاحبي بتغيير المحطة التي تتولى العرض فوراً وبدأ بإلقاء وابل من غضبته المضرية الوعظية وتقززه وتبرمه مما يتعاطاه أولئك القوم من طقوس يرى أنها مما لم ينزل الله به من سلطان، وعندها كان لابد لنقاش حولها أن يبتدئ بيني وبينه على خلفية ذلك الحدث النمطي الذي يتكرر كل سنة بنمطية متوارثة منذ القدم إلى اليوم كمناسبات تتخللها إابتهالات مقدسة لم يؤثر في قدسيتها في السابق كما لن يؤثر عليها في الحاضر زمجرة وغضب ذلك الزميل ونظرائه مِن مَن هم ينطلقون من نفس مرجعيته.
أثناء النقاش معه حول تكييف تلك الطقوس تشريعياً كان ينحو بالطبع نحو تحريمها انطلاقاً من مرجعية معروفة لدي ولديه تمتاز بأنها تحرم مثل ذلك الاحتفال وما يصاحبه من طقوس بصورة قطعية، ومع موافقتي إياه على قطعية ما تحكم به أدبيات تلك المرجعية تجاه ذلك الحدث والتي كانت مثار استغراب لديه من ناحية عدم اتساق موقفي مع موقفه تجاه إنكارها والنكير على أصحابها رغم اتفاقي معه على حكم مرجعيتنا معاً تجاه حرمتها، إلا أنني بادرته بسؤال يحمل إجابته في مضمونه عن مدى قبول أفراد تلك الطائفة لنكيره عليهم وتحريمه لطقوسهم رغم أنهم ينهلون من مرجعية فرعية تختلف عن مرجعيتنا الفرعية مع اتفاقنا معهم بالطبع على معطيات المرجعية الأصلية، فكان جوابه القاطع أنه لا يسوغ لهم عدم القبول أساساً لمخالفة ما يأتون به من طقوس في سياق تلك المناسبة مع الأدلة والآثار الواردة في النهي عن الاحتفال بالمناسبة من أساسها ناهيك عما يصاحبها من طقوس، عندها حاولت إقناعه بأن ما أتى به من أدلة وتخريجات تؤكد عدم صحة مثل تلك الاحتفالات والإبتهالات التي تصاحبها لن تجد قبولاً لديهم لأنها غير معترف بها في منظومتهم المعرفية الفرعية مثلما أن ما سيأتون به من أدلة وآثار تنهل من نفس المورد الذي ننهل منه وصاحبي ومعنا الكثيرون تؤكد صحة وسلامة بل وفضل ما يحتفلون به وما يقدمونه بين يدي تلك المناسبة لن تلقى قبولاً منا لأنها غير معترف بها في منظومتنا الفرعية، ومع ذلك فلم تفلح ما أبديته من مبررات منطقية تجاه عدم جدوى النكير على مثل أولئك لاختلاف المرجعيات التي تحكم كلاً من الفريقين من تهدئة روع صاحبي وعزمه على المضي قدماً في بيان عظم خطر ما يقوم به أولئك القوم من خطر على المقدمات العقدية.
من أشد ما يساعد على العنف إقصاء المخالف - خاصة من هم من داخل الحظيرة الدينية - ومن أسهل ما يبرر به المتشدد إقصاء مخالفه محاكمته ذلك المخالف كما هم كافة المخالفين الآخرين إلى نفس مرجعيته التي ينطلق منها وعليها يعتمد في مسيرته الدينية «في الفروع خاصة» وإذا كانت مثل تلك المحاكمة لنفس المرجعية هي السبيل الوحيد لتكييف العلاقة مع المخالف فليس ثمة طريق آخر إلا نبذ ذلك المخالف وإقصاؤه تمهيداً لإقصائه المادي باختطاف روحه باعتباره ضالاً زائغاً عن سواء السبيل، ولابد من ثم أن نستشعر اختلاف الطرائق والنحل والطقوس والعوائد والابتهالات وغيرها اعتماداً على اختلاف المرجعيات، وكما أننا لا نسمح للآخرين بأن يحاكمونا إلى أدلة وتخريجات وآثار مرجعياتهم التي ربما نراها غير صحيحة، فكذلك هم أولئك الآخرون المخالفون لنا لن يسمحوا لنا بأن نحاكمهم إلى أصول وأدبيات مرجعيتنا، وليس من الغريب أنه رغم أننا لم نكف عن الوعظ والتذكير بخطأ وربما ضلال ما تقوم به الكثير من الطوائف الإسلامية المخالفة لنا من نشاطات فكرية ودينية منذ القديم وإلى اليوم إلا أن ذلك لم يزدهم إلا تمسكاً بها وحرصاً عليها، إذ ان ما نراه خطراً ماحقاً بهم يرونه من جانبهم زلفى وتقرباً إلى الله وليس ثمة مجال بعد كل هذه التجارب الطويلة إلا الاقتناع بحجية المرجعيات لدى كل طائفة وهو ما يوطئ الأرضية الاجتماعية لقبول فكرة التسامح كمرجعية مشتركة.