




في هذا المقال سوف أسلط الضوء على إخفاق الهيئة في جهودها بالمجتمع وتخليها عن مهمتها الأساسية وهي الأمر بالمعروف وأخذها للشطر الثاني وهو النهي عن المنكر وهذا لا يتفق مع نهج القرآن ولا السنة فالله سبحانه وتعالى يقول ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ كما أن المتبع في التعليم هو الأمر ثم النهي كما قال الرسول
«مروا أبناءكم للصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم بالمضاجع» وفي القول السائد «الوقاية خير من العلاج» وهذا ما نلاحظه في حياتنا اليومية من جرعات التطعيم للأطفال إلى أصول السلامة المتبعة في المنزل والمصنع، وبما أن الهيئة تخلت عن تطعيم المجتمع وتبصيره بالأمر بالمعروف ولم تراعي التعاليم الواردة بالقرآن والسنة في التعامل مع النفس البشرية في الأمر بالمعروف أولا ونشر ثقافة الفضيلة بين الناس ومكارم الأخلاق فأنا لم أسمع ولم أر يوما أحد منسوبي الهيئة وهو يأمر بالمعروف ويحاول نشر الفضيلة بالمجتمع، لذلك ازدادت الحال سوءا يوما بعد يوم وعلينا الاعتراف بان الفضيلة في مجتمعنا التي يحرسها أفراد الهيئة حسب زعمهم قد تلاشت كثيرا بل قد أصبحت معدومة إذا أخذنا في الاعتبار مان قرأه يوميا عن الدعارة وتصنيع الخمور وتهريب المخدرات وقتل الوالدين والعنف وزنا المحارم والشذوذ الجنسي والاغتصاب والسرقة والنهب والنصب والاحتيال والتزوير والغش والتدليس وثقافة الكذب المنتشرة.
ورغم التغيير والتطور الذي حصل خلال العقود الماضية على المجتمع السعودي والانفتاح الإعلامي إلا أن أسلوب ونهج الهيئة ظل كما هو منذ تأسيسها.
كان عام 1390ه هي المرة الأولى التي أشاهد فيها رجال الهيئة في مدينة الرياض وتحديدا في سوق الديرة القديم حيث شاهدت مجموعة من الرجال يلبسون المشالح ويمضغون السواك وبيد كل منهم عصا، وفجأة قاموا بالقبض على أحد المتسوقين وسحبوه على الرصيف وجلدوه. كنت مراهقا، وهزني هذا المنظر وسألت الناس من هم هؤلاء فقالوا رجال الهيئة ومنذ تلك اللحظة وأنا مصاب بفوبيا الهيئة وتكونت لدي فكره مبكرة بأنهم هم الحكومة!! ولا يحاسبهم أحد !! وإن كل ما يملكون من أسلوب توعوي ونهي عن المنكر هو العصا والمشلح والسواك والغلظة والشدة.
مرت الأيام وها نحن ندخل العام 1429ه ولم يطرأ على أسلوب الهيئة أي تغيير وفشلت الهيئة في مجارات التطور الحاصل في المجتمع أو تحديث أسلوبها المتبع ولا زال كما هو عليه منذ عام 1390ه وهو المشلح والعصا والسواك!! بل زاد الأمر سوءا بأن ازداد العنف وكثر القتل والمطاردات بينهم وبين الناس وأصبح هنالك نفور ملحوظ لدى المجتمع وحساسية مفرطة ضد رجال الهيئة.
وللأسف الشديد بإن إخفاق الهيئة في واجبها قد دفعها إلى مزيدا من الشراسة مع الناس وهذا زاد الطين بلة وتأثرت سمعة الجهاز بشكل لم يسبق له مثيل. وهذا يعود للآتي:
الأول: أن الهيئة فشلت في أداء واجبها الأساسي وهو الأمر بالمعروف واكتفت بالنهي عن المنكر بشتى أنواع الوسائل حتى ولو أزهقت الأرواح وهذا ما ادخل الهيئة في دوامة مع المجتمع والجهات الأمنية وخاصة عندما بدأ الإعلام بكشف ممارسات رجال الهيئة، وأصبحت العلاقة بينها وبين المجتمع تتسم بالضبابية.
الثاني: أن الهيئة فشلت في تقديم رسالة للمجتمع تعرف نفسها وتوضح دورها.
الثالث: عدم وجود كفاءات لدى الهيئة للعلاقات العامة والتفاعل مع المجتمع.
الرابع: عدم وجود معايير للتوظيف والاختيار في أعضاء الهيئة والاكتفاء بالاجتهادات الشخصية والعلاقات والمحسوبية ثم زجهم بالشارع «الميدان ياحميدان» ووحسب مايدور في المجالس بأن هنالك أعدادا ممن التحقوا بالهيئه وهم من أرباب السوابق ولا اعلم مدى صحة ذلك وحبذا لو سمعنا توضيحا من الهيئه عن ذلك.
مقارنه بسيطة بين حال مجتمعنا عام 1390ه عندما شاهدت الهيئة للمرة الأولى وبين وضع مجتمعنا الآن يتضح لنا إخفاق الهيئة في حراسة الفضيلة التي يزعمون إنها شغلهم الشاغل فلم تنمو الفضيلة ولم تنتشر في المجتمع بل أصابها الانكماش والتقوقع وبدأت الجرائم الأخلاقية تنهش في المجتمع بل انتشرت كما تنتشر النار بالهشيم.
ومن وجهة نظري الشخصية فإن الهيئة أصبحت عاجزة عن أداء مهمتها كما أرداها الله ولهذا فأنني أرى بان الهيئة أمام خيارين لا ثالث لهما:
الأول: أن تعترف بالفشل وتحل نفسها ويتم استبدالها بشرطة الآداب وأن يكون هنالك فروع في معاهد الأمن العام المتخصصة يتم تخريج شرطة آداب للتعامل مع المجتمع بطريقة حضارية فدلينا كافة شعوب الارض ونحن جزء لا يتجزأ من العالم.
الثاني: أن تعيد الهيئة صياغة رسالتها وغربلة أجهزتها وتعزيز جهازها بكفاءات متخصصة وتبدأ في الأمر بالمعروف ثم النهي عن المنكر وهذا يتطلب وجود فريق عمل متخصص وليس بالضرورة من يلبس المشلح أو يتمتع بقوة العضلات وإنما من أصحاب الكفاءات الذين يتم إعدادهم لهذا الغرض وهو الأمر بالمعروف أولا ومن ثم النهي عن المنكر وهذا يتطلب برنامج عمل طموح يشمل الأتي:
1- عمل برامج توعويه في مراكز الأحياء والمساجد والجامعات والمدارس للجنسين وتشمل: أضرار التبرج والسفور، حقوق الوالدين، احترام الكبير ورحمة الصغير، حقوق المرأة، الحقوق الزوجية، حقوق الجار، العمل التطوعي بالمجتمع، مضار الإسراف في حفلات الزواج، حفظ الامانه ونزاهة التعامل بين الناس، أدب المجلس، إفشاء السلام، التوعية بأضرار الشذوذ الجنسي والمخدرات والمسكرات والعلاقات المحرمة. تعريف واضح للخلوة غير الشرعية. أدب التعامل بين المرأة والرجل، البيان للناس وتثقيفهم عن معنى الفضيلة ومكارم الأخلاق. أدب الاختلاط ومضارة. السرقة وآثارها وهلم جر.
2- التوقف عن إساءة الظن بالآخرين.
3- التفاعل مع أفراد المجتمع وعمل حملة علاقات عامه للحصول على أفراد متطوعين لخدمة المجتمع في هذا المجال ونشر ثقافة الفضيلة التي بدأت بالانحدار في مجتمعنا.
إن هذا الأسلوب في نظري هو الأمثل للتفاعل والتعامل مع أجيال اليوم فليس من المجدي إتباع أسلوب التهديد والوعيد والرفس والركل والمطاردات والاعتداء على الأنفس والتخلي عن أسلوب العصا والمشلح والسواك!! فهذا أسلوب اثبت فشله بما يدع مجال للشك، متمنيا ان يكون الخيار الثاني هو ماتنتهجه الهيئه وان نرى تغييرا ملحوظا في الامر بالمعروف اولا وتثقيف المجتمع ثم النهي عن المنكر، متمنيا للجميع التوفيق،،،