




في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1969 م، أو قبل 40 عاماً تقريباً، ولد مخلوقٌ رقمي رائعٌ وعجيب مكون من بضعة حروف، أو من مجموعة بسيطة من الإشارات الكهربائية، حدث ذلك عندما قام كومبيوتر في جامعة "كاليفورنيا" في لوس أنجلوس بإرسال كلمة إلى كومبيوتر في جامعة "ستانفورد". وكانت تلك الكلمة البسيطة هي كلمة LOGIN والتي تعني "دخول". حينها طرق كومبيوتر جامعة "لوس أنجلوس" حرف L ثم O، وعندما طرق الحرف الثالث انقطع الاتصال. تلك الكلمة "المبتورة" هي من سجّل ميلاد "الإنترنت" [1] . وبهذا الميلاد الميمون استطاعت البشرية دخول العالم الرقمي الرائع الذي ننعم بخيراته اليوم.
وذلك العالم الرقمي الرائع الذي ولد في ذلك اليوم، يشكل في الواقع ثورة حقيقية غايةً في الأهمية، يدركها الكثيرون من أبناء اليوم، حيث لا يمكن للبشرية أبداً بعد الآن أن تتخيل واقعها بدون ذلك المخلوق الرقمي الرائع والجميل والثوري... المحبوب والمخيف في الآن نفسه معاً.
وأنا أعتقد أن ذلك المخلوق أو الإنترنت كما نسميها اليوم، حتى اليوم، هي الحلقة الأقوى في ما يمكن أن نسميه بـ «ثورة إيصال المعلومات والمعرفة إلى الذهن البشرية»، أو بصيغة أخرى في ثورة الإعلام والاتصالات المعاصرة. فرغم الدور الرائع والكبير الذي أنجزه الكتاب المطبوع والصحف والمجلات، ورغم الدور الرائع والمهم والخطير لمحطات الإذاعة والتلفاز، ورغم الدور الهام والخطير لأجهزة الهاتف الثابت والنقال، تبقى الإنترنت هي أخطر وأهم وأقوى أداة يمكن من خلالها - وبتشويق كبير أيضاً - إيصال أو الوصول بيسر وسهولة إلى عالم العلم والمعرفة الكبير والواسع والمتنوع... لتكون الإنترنت هي أكبر مكتبة بشرية عامة شيقة متنوعة سمعية وبصرية ومقروءة يمكن الوصول إليها بيسر وسهولة في هذا الكون المعلوم.
وفي الحقيقة، فإننا هنا عندما نقف أمام ثورة الإنترنت الشامخة في هذا العصر، فإننا إنما نقف في الحقيقة - ومن باب التأكيد أكرر ذلك هنا مرة أخرى - أمام ثورة حقيقية في مجال وميدان «إيصال مختلف المعارف والمعلومات إلى الذهن البشرية»، وذلك يتزامن حتماً في نفس الوقت أو مع بعض التأجيل الزمني البسيط، مع الوقوف أمام ثورة خطيرة أخرى - ستتضح معالمها بإذن الله لاحقاً بما لا يدع مجالاً للشك - في مجال خلق «الرغبة في/ أو الإندفاع نحو / أو الميل إلى: العلم والمعرفة أو أي نمط من أنماطها أو صورة من صورها»، وذلك كله معاً يمكن أن يقفز بقيمة وفاعلية وتحضر الإنسان والإنسانية نحو الأفق المستقبلي الراقي والواعد والمأمول.
ولست أعلم يقيناً إن كانت البشرية ستتمكن واقعاً أم لا، في «القريب العاجل» أو في «البعيد الآجل»، من إلغاء كثيرٍ من تلك الحاجات للوسائط المادية المحسوسة والملموسة الضرورية لوصول الدماغ البشري عبر الحواس المختلفة إلى عالم الإنترنت الرقمي الكبير والواسع وبالعكس، خصوصاً بعد أن تأكدت البشرية ولو ضمن الحدود الضيقة، عبر تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي أو غيره، من قدرتها على قراءة ما فيه «أي ما في الدماغ»، وانتزاع بعض ما في الدماغ من مخزون دون حاجة للعبور من بوابات الحواس المعهودة تلك، فلعلنا في يومٍ من الأيام القريبة نرى البشرية - بإذن الله - وقد تجاوزت تلك الحواس الخمس بفاعلية لتتخاطب مع الدماغ البشري مباشرة «قراءة وكتابة»، دون حاجة لذلك الوسيط التقليدي أو قيوده الضيقة، وربما يتم ذلك الاختراق أيضاً عبر التواصل عن بعد.
أحاديث من الذاكرة:
لقد ولدتُ - كما ولد الكثيرون غيري - بعد ميلاد الإنترنت بقليل، وشاءت الأقدار الإلهية أن أكون ضمن جيلٍ يخطو لتخطو التقنية الرقمية معه يوماً بيوم، ولازلت أتذكر ذلك اليوم الرقمي السعيد - عندما كنت في الصف الأول المتوسط تقريباً - حين مررت في يومٍ من الأيام الخالدة في الذاكرة بجانب الزجاج الخارجي لمكتبة «الساحل الذهبي» القابعة في قلب القطيف، والتي كنت أشتري منها غالبية القصص والحكايات والمغامرات المصورة بمختلف أنواعها، التي كنت أحرص على شرائها واقتنائها بشكل دوري أو أسبوعي في أيام الطفولة والمراهقة من مختلف مكتبات المدينة القريبة والبعيدة - حين كان ذلك الطفل والمراهق الذي تستهويه وتصنعه المكتبات وعوالمها الحالمة -، لأفاجأ حينها بكتابٍ مصورٍ صغير الحجم، مخصص للأطفال والناشئة، فيه تبسيط مصور وجميل للعالم الرقمي المختصر في الـ «01»، وعوالم الكمبيوتر والإنترنت... فشدني ذلك الكتاب إليه... واقتنيته فوراً... ومنذ ذلك اليوم «الذي أحببت فيه أن أجرب كيف يمكن أن يتصل كمبيوتر بآخر - كما كان مشروحاً في ذلك الكتاب - عبر ما يعرف الآن بالإنترنت أو ما يمكن أن نسميه بالشبكات الكمبيوترية الهاتفية»، وحتى اليوم، وأنا أعيش الشغف كل الشغف بعالم الإنترنت.
وفيما بعد، أو بعد مدة قصيرة من ذلك الوقت المخصوص... أقيم معرض الكمبيوتر الأول في مدينة القطيف الحبيبة، في المقر الحالي لصيدلية الحسين
، مقابل «مطعم صدف» و«مجمع الزهراء
التجاري» - قبل أن تقام الصيدلية والمجمع التجاري هناك في ذلك الموقع طبعاً -... وهنا كانت انطلاقة أخرى نحو عالم الكمبيوتر والإنترنت لمراهق في الصف الثاني المتوسط - كما أتذكر... والعتب على الذاكرة طبعاً في أي خطأ نسبي في التوقيت -... «حيث كان ذلك المراهق الذي سيسعى لاحقاً في وقتٍ قريبٍ لاقتناء أول جهاز كمبيوتر يشتريه من متجر العالمية بمدينة الدمام بتأثير معرض كمبيوتر يقام بضعة أيام في مدينة القطيف... ليبحر ذلك المراهق بعدها بشغفٍ كبير في عالم البرمجة بلغة البيسك النصية... الرائعة في تلك الأيام... ليصمم عبرها وبعد عبثٍ طويلٍ بمحتوى تلك اللغة ونصوصها المبهمة وغير المشروحة بالشكل الكافي فيما اقتناه من كتب... بعض الألعاب الرسومية الجميلة... وليبقى حبه لأجهزة الكمبيوتر ساخناً... وليظل حلمه في الاتصال بالانترنت فيما بعد عالقاً في الذهن».
وفي المرحلة اللاحقة، بعد شراء أول جهاز كمبيوتر شخصي «وهو كمبيوتر صخر» من مدينة الدمام، مع شراء بعض البرامج لاحقاً من هناك... وحين تعلقت بالبرمجة بلغة البيسك النصية... بدأت أتجه في كل مرة لمتجرٍ أقيم لاحقاً في منطقة القلعة في الدور العلوي من المبنى المقابل حالياً لمطعم الكوخ - المقام حالياً على ضفاف شارع الملك عبد العزيز -... لشراء بعض الكتب المتخصصة في البرمجة بتلك اللغة النصية... وبعض البرامج التعليمية الخاصة بكمبيوتر صخر كـ «ذو الوجهين وابن سينا وسيبويه... الخ»... وبعض الألعاب كـ «Goonies وThe Castle وYie Ar Kung-Fu 2... الخ» [2] ... حين كان ذلك المتجر هو أول متجر لبيع أجهزة الحاسب وملحقاتها في مدينة القطيف في ذلك الوقت - حسب علمي -... وبالطبع فإنني لا أتوقع أن يعرف ذلك المتجر أيٌ من أبناء اليوم... بل ربما - وأكاد أجزم هنا - أنهم وبالغالبية لم يسمعوا به جميعاً إطلاقاً حتى اليوم.
وهكذا، كانت تلك الأسطر القليلة السابقة... بعض المقتطفات السريعة من الذاكرة... استحضرت فيها بعض خطواتي الأولى التي خطوتها مع هذا المخلوق الرقمي العجيب «الكمبيوتر/ والإنترنت»... تذكرت فيها... تأثير المكتبة... وتأثير المعارض... وجاذبية وتأثير ذلك المخلوق العجيب القادر على الجذب والتغيير... علّ البعض منا يشارك في متعة استحضار بعض بقايا الذاكرة العالقة في الذهن... ولعل البعض الآخر يستفيد أيضاً من ذلك بعض الأفكار النافعة والخلاقة والمفيدة لأبناء اليوم ولحاضرنا المعاصر.
فيما بعد:
وفي خطوة ضمن برنامج «الوجبات الشهرية المكتبية» - وهو برنامجٌ أنصح به - التي كنت أقدمها «لإخوتي الصغار» بشكل دوري على مدى سنوات طويلة بهدف صناعة عقول متعلمة وقلوب مشبعة بعشق العلم والمعرفة... أدخلت بطاقة الإنترنت «ضمن مرحلة الـ Dial up» كجزء من الوجبة الشهرية التي كنت أقدمها لهم «من قصص ومجلات وكتب وأقلام تلوين وأوراق للرسم ولوحات تعليم حائطية... الخ»... باعتبار توفير الاتصال بالإنترنت - الذي يعتبره البعض اليوم حقاً من حقوق الإنسان - حلقة من أهم حلقات توفير المعرفة في هذا العصر، والبديل الموعود والمرتقب للمكتبات ولعالم الكتب التقليدي.
كلمة أخيرة:
في الختام بعد أن أزعجتكم بهذه الحكاية الطويلة العريضة التي قد لا تهم الكثيرين منكم، أستميحكم العذر... وأرجوا أن يكون فيما ذكر شيءٌ من الفائدة المرجوة... الواضحة - إنشاء الله - للقارئ العزيز مع قليلٍ من التأمل والتفكير.
كما أتمنى في سياق هذه الخاتمة أيضاً، أن يحظى أطفالنا اليوم في عالمنا العربي والإسلامي والخليجي المعاصر، بنصيبٍ وافرٍ من نشاطاتنا على الإنترنت … بأن تكون لهم مواقعهم المحلية [3] ، التي تسهم في تثقيفهم وتسليتهم وتطويرهم وإعدادهم للمستقبل وتحديد ميولهم.
وأضيف في الأخير هنا أيضاً، سؤالاً مهماً نكرره كلما جدّ جديد أو دعت الحاجة أو نزلت نازلة، وذلك بمناسبة الذكرى الـ 40 لميلاد الإنترنت، سأختم به هذا المقال، وهو: أين موقعنا نحن العرب والمسلمون اليوم من الإعراب في هذا العالم الرقمي العجيب؟؟ هل نحن حقاً كما يمكن أن ينعتنا البعض «مجرد مستهلكين أوباش»؟؟!! [4] .
وسلامتكم... وكل عام والإنترنت والأمة العربية والإسلامية بخير.