




يبدو للمراقب للخطاب السائد في ساحتنا الشيعية المحلية مؤخرا، أن هنالك ما يمكن اعتباره تمسكا وإجماعا مطبقا على خيار الحوار كسبيل لحلحلة المشكل الطائفي في البلاد في سبيل الخروج من دوامة التمييز الطائفي الذي يعاني منه إلى جانب الشيعة مجمل المكونات المذهبية والمناطقية في المملكة. وبمعنى آخر يضمر الالتفاف على هذا الخيار -بالضرورة- نبذا لأي خيار آخر من قبيل الصدام أو الانطواء والعزلة التي حاول البعض الترويج لها في مرحلة سابقة.
وغاية ما هناك، تبرز اشكالات واعتراضات من نوع آخر يمكن ادراجها ضمن هوامش هذا الحوار غير المعترض عليه من حيث الأصل، والمراد قيامه لدى الدعاة الجدد -ان جاز التعبير- للحوار بين مختلف الأطياف، ولعل أبرز ما يشار اليه في هذا السياق وفقا للدعوات الأخيرة هو رفض واستبعاد الحوار مع المتشددين من الاطراف الأخرى والتوجه عوضا عن ذلك للحوار مع المعتدلين، كما تتمحور الإشكالية الأخرى في نظر البعض حول فحوى وماهية هذا الحوار، حيث تبدو في طروحات هؤلاء الميل ان لم يكن الإصرار على أن يكون الحوارعقديا وفي صميم الخلاف المذهبي على قاعدة قال الله وقال الرسول دون غيره من الأسس الأخرى من قبيل تعزيز التسامح الديني وترسيخ التعايش السلمي وما إلى ذلك من مفاهيم.
الحوار مع المعتدلين ام المتشددين؟
حقيقة الأمر، تتجه الفاعليات الفكرية والدينية والسياسية في مختلف بقاع العالم، والمشتغلة على حل النزاعات وتبريد نقاط التوتر ونزع فتيل الازمات القائمة أو المتوقعة، تتجه عادة للعمل على خطين متوازيين، أولهما التعاون مع الاطراف المعتدلة في الساحة لغرض تعزيز حال الاعتدال وتوسيع رقعة المؤيدين لتهدئة الأوضاع، وصولا لتطويق العناصر المتشددة بدائرة اعتدال واسعة يصبح معها الصوت المتشدد نشازا ولا يلقى القبول لدى الشريحة الواسعة من الناس. بيد أن الجمود على هذا الخيار بالاكتفاء بالحوار مع خط الاعتدال سيكون أشبه ما يكون بممارسة الخطب الوعظية في صلاة الجمعة حين يحث الامام مستمعيه على أهمية الصلاة في المسجد ليكون بذلك كمن يبيع الماء في حارة السقائيين، اذ ان الأولى بهذا الحديث ان يوجه ليس لهؤلاء المستمعين الذين اتوا للصلاة مؤمنين طائعين، وإنما المطلوب أن يوجه هذا الكلام لأولئك الذين لا يقربون الصلاة ومن لا يعرفون للمسجد طريقا، وهنا نأتي للخط الموازي الثاني الذي يعمد له خبراء السياسة وأعني به محاولة اختراق الخطوط المتشددة.
فعلى عكس ما يظن بعض قاصري الفهم، يعمد أرباب السياسة لفتح قنوات الحوار مع المتشددين تحديدا، لا لغرض اقرارهم على تشددهم أو تشجيعهم على الإمعان في خياراتهم التدميرية، وإنما يكون الحوار مع هؤلاء على الأرجح لأحد أمرين، أولهما العمل الحثيث على تغيير قناعاتهم وكسبهم لأن يكونوا حلفاء وأصدقاء بدلا من بقائهم في المعسكر المعادي، وإن بدى هذا الخيار الصعب مستحيلا، يتم العمل والتركيز عندها على تحييد ما يمكن من هذه الأطراف المتشددة، فإن لم يكونوا معنا وهو المأمول، فليكونوا على الحياد من خلال تفهم المواقف والإطلاع على حدود المشكلة بدون أي أوهام مصطنعة. وغير خاف أن من أبرز دوافع االحديث مع الاطراف المتشددة هو ما لهؤلاء من تأثير بالغ في شريحة غير قليلة من الشارع، بحيث ينعكس انخراط هؤلاء ضمن أي مشروع سلمي على جمهورهم، هذا عدا عن ما لديهم من قدرة على تخريب أو عرقلة أي مبادرة سياسية يتحسسون خطرها على نفوذهم او مصالحهم.
من هنا فالتحدي الحقيقي هو ليس العمل على التواصل مع المعتدلين، مع انه أمر مطلوب وواجب على كل حال وهو أقرب لادارة العلاقات العامة، وإنما التحدي الفعلي والحنكة السياسية الجبارة تكمن في اختراق الساحات المغلقة، وتغيير قناعات أعتى الخصوم والمنافسين، والوصول لمخاطبة ومن ثم التأثير في نخب ومثقفي وجمهور الطرف الآخر. على هذا النحو كان الأنبياء والرسل والمصلحون يعملون على تغيير واقعهم.
المثير للشفقة والسخرية في آن، أن بعض الداعين للاقتصار على الحوار مع المعتدلين ونبذ المتشددين، هم في غالب الأحيان ممن لا ناقة لهم ولا جمل، لا في حوار مع معتدلين ولا هم يحزنون، بل ان أكثرهم لم يجر، بل لم يطرأ على باله على ما يبدو، أن يجري لقاء سياسيا ولو عابرا مع معتدل واحد!! والأسوأ من هذا كله، أن أمثال هؤلاء يظنون بأن بروز طبقة من المعتدلين والمتفهمين لقضايانا في الساحة المحلية، حصل بقدرة قادر (هكذا) بالصدفة المحضة التي جرت بين عشية وضحاها، وليس نتيجة عمل دؤوب و لقاءات مكوكية على مدى سنوات ساهمت فيها الرموز والفاعليات الدينية والثقافية والسياسية التي يهاجمونها اليوم، حتى وصلنا إلى ما وصلنا اليه من تقديم صورة مغايرة عن انفسنا بدلا عن تلك الصورة الشوهاء التي طالما روجها الخصوم الدينيين والسياسيين.
الحوار المذهبي
من الواضح أن البعض لا يفهم، حتى الآن، من معنى للحوار مع الأطراف الأخرى، إلا البعد العقدي والمتصل تحديدا بالجدل المذهبي. ومهما حاول هذا الطرف أو ذاك اطلاق وصف العلمية على هذا الجدل الذي يرغب في استعراض عضلاته فيه، فلن يعدو من وجهة نظرنا غير تكرار لاسطوانة مشروخة من الجدل المذهبي القائم منذ قرون طويلة، بحيث لن يضيف لا هذا الطرف ولا ذاك أي جديد فوق ما تناوله أرباب الخلاف منذ القرون الأولى للاسلام.
غير أن الخطير في الأمر لدى هؤلاء، هو فهمهم غير السوي لمشكلة التمييز الطائفي القائمة والتي يعاني منها الناس، فعوضا عن تقديم المبادرات والمشاريع السياسية لرفع هذه المعضلة، يشغلنا هؤلاء باستعراض العضلات "العلمية" للدخول في جدل مذهبي عقيم لا يغني ولا يسمن. ولا أدري حقيقة هل يظن هؤلاء أنهم اذا أفحموا الطرف المقابل بأن المسح على القدمين أولى من غسلهما في الوضوء هل ستحل مشاكلنا ويرتفع التمييز الطائفي الجاثم على الصدور؟!!
عوضا عن ذلك يدرك الواعون أن الانكفاء والجمود عند مربع الخلاف المذهبي ليس سوى لعبة سياسية لا ينجر لها إلا ضعاف الفهم السياسي، كما يدركون جيدا تبعا لبصيرة قرآنية واضحة وارشاد من أعلى المرجعيات الدينية الواعية أن التعايش السلمي على قاعدة الاحترام المتبادل والقسط وصون الحقوق ونبذ العنف والكراهية وترسيخ العدل بين الناس هو غاية جميع الرسالات السماوية. والمؤلم في الأمر أن يعمد بعض أدعياء الدين إلى تشويه هذه القيم والمبادئ وتصويرها على غير حقيقتها والنيل من رواد هذا النهج القيمي القرآني والنبوي، حتى غدت الدعوة للمعروف منكرا والسعي للمنكر معروفا!!
ختاما، ومع ادراكنا المطلق بأن المشكل الطائفي في البلاد هو في أصله سياسي بامتياز، وعليه يجب أن يصب القسط الأكبر من جهودنا في هذا السياق، بيد أنه وفي هذا السبيل لا غنى من العمل على مختلف الصعد وعلى كل المستويات، ومع جميع النخب السياسية والثقافية والدينية المعتدلة والمتشددة، على غرار ما كان يجري بالفعل منذ سنوات، والأهم من كل ذلك أن ننزع من أذهاننا أن على الآخرين أن يتخلوا عن جميع أفكارهم ومسبقاتهم وقناعتاتهم التي تربوا عليها جيلا بعد جيل، كشرط مسبق لاجراء أي حوار معهم، فهذه سذاجة ما بعدها سذاجة. فلنا أن نتصور بأن الآخرين على الضفة الأخرى وضعوا ذات الشروط قبل الشروع في أي حوار معنا، أليس معنى ذلك أن يتخندق كل منا في مكانه إلى قيام يوم الدين؟ فالناس عادة ما تتطور قناعاتها بعد الحوار والتفاوض والنقاش، وإلا فما الداعي لأن تتحاور إذا ما تخلى كل منا مسبقا عن أفكاره وقناعاته!
يمكن أن أعود للحديث عن دوافع التشدد الديني والسادية الفئوية التي انتابت البعض في ساحتنا مؤخرا، فهو حديث ذو شجون.