




إن هذا المفكر الإسلامي، الغزير علماً تنويريا ومتقدما، فكرا أصيلا ومعاصرا يستحق أكثر من وقفة تأمل وتقدير بانجازاته المميزة حداثة وجرأة نحو القضايا المعاصرة، ناهيك أنه صاحب مدرسة فكرية يشار لها بالبنان، وليست بالكلاسيكية المسيجة.. وليس غريبا على لبنان الشقيق بلد الإشعاع والإبداع،، وإطلالاته المعرفية على الشرق الأوسط إن أن يلد مثل هذا الراحل، إن خزائن هذا البلد ونفحاته من المعارف والعلوم الدينية والثقافية جعلته المعلم الكبير في تلاقح الثقافات مع الأمم والشعوب الأخرى منذ زمن طويل.
أجل إن هذا البلد ليس غريبا عليه أن يلد بأمثال هذا العلامة الفذ فضل الله رحمه الله..
لقد شح علينا هذا الزمن والحقب العجاف الماضية بأمثال هذا الرجل «الا ما نذر» المميز علما ومدرسة وان عطاءاته لن تتوقف برحيله أو تنضب ينابيعه الثقافية والمعرفية وإشعاعاته التنويرية أبدا: لذلك فقد تعرض للسهام من بعض البيادق الملتفعة بخمائل " أغصان الزيتون " رموه بسهامهم وفوق وهج مدرسته واجتهاداته للنيل من أوتاد خيمته المضيئة، وأفيائها الدافئة ومن خيوطها الذهبية المشعة في النفق، والمرسلة لطلابه ولمريديه، ولكل الناس في لبنان وفي كل العالم الإسلامي أجمع.
إن فكر هذا العالم قد تماهى وتناغم مع مسيرة التقدم العلمي والثقافي والاجتماعي الذي أطلت على الشرق الأوسط بجناحيها «الديني المتسامح» والدنيوي التعميري والبناء للبنية العقلية للإنسان في العالم ولصون كرامته، حيث أنه أبدع برحيق مخزونه العلمي والثقافي فأعطى الكثير للأجيال الحاضرة والقادمة من نبضات فكره واجتهاداته المبدعة الجريئة والنابضة بالحياة والحيوية والاعتدال والمحبة لكل إنسان ولكل الأطياف دون استثناء وقد رفد برحيقه العبق أيضا وبعلمه الغزير جذور أغصان الزيتون رمز المحبة والسلام.
إن هذا الصرح الشامخ الراحل محمد حسين فضل الله، هو كمنارة مضيئة سامقة، ومعلما أنار الدروب لكل الناس الضمئانة والعطشى للمعرفة النورانية من خلال الإطلالة على عطاء آته الحية المتحركة والمتجددة، كأي ثقافة تستلهم من الهواء النقي المخصب للعقل، وترتوي من ماء عذب نمير يغذي خلايا الإنسان ويجدد عقله..
انه اقحوانة فواحة ألهمت بعبيرها الكثير من النخب ومن مختلف الطبقات المتعلمة تحفزا نحو سماوات العطاء والإبداع الأدبي والثقافي النوعي، والجرأة في الأدبيات الفكرية.
وهو كسحابة بيضاء أمطرتنا برذاذها فاعشوشبت بها أجنحة العديد العديد من النوارس الممنوعة من التحليق والتغريد داخل السرب وخارجه، كما واعشوشبت به العقول المتوثبة للنهوض نحو الإبداع.
لقد قرأت للفقيد العلامة فضل الله، اليسر اليسير جدا من كتاباته المضيئة والمضمخة بعبير الشهد المعرفي السامق.
إني أجزم وأقول لم يخسر النجف الأشرف هذا العلامة وحده، وإنما خسره العالمين العربي والإسلامي أجمع، وهي خسارة جسيمة وفادحة، وخصوصا في هذا الزمن الذي يضخ زخما سلبيا رهيبا على الثقافة المشعة المنفتحة، ويضخ ثقافة التجاوزات المريرة على المغلوبين على أمرهم في كل مكان.
رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته.