




يكثر الحديث حول شيعة السعودية هذه الفترة، فجأة أصبح الشيعة مادة إعلامية دسمة، عقود من الإقصاء الإعلامي المتعمد انتهت، مع الأخذ بالاعتبار أن الانفتاح الإعلامي على الشيعة هو انفتاح من جانب واحد؛ يتمثل في السماح للآخر غير الشيعي بالاجتهاد في وصف وتحليل الأفكار الشيعية العقدية والسياسية، ويبقى الإقصاء السياسي مُنتظراً الإفراج عنه، الآن لا يكاد ينقضي أسبوع إلا وهناك عنوان أو أكثر يتناول الشيعة في السعودية، آخرها كان إطلالة الكاتب والباحث السعودي إبراهيم الهطلاني صاحب كتاب «الشيعة السعوديون: قراءة تاريخية وسياسية» في برنامج «إضاءات» لمقدمه الإعلامي تركي الدخيل. استنتج الهطلاني في بحثه استنتاجاً محقاً، لكنه قديم قدم المسألة نفسها، حيث توصل لنتيجة مفادها أن خلافات الشيعة في السعودية لها وجهان: خلاف مع المؤسسة الدينية وتحديداً مع السلفيين، وهو الخلاف العقدي التاريخي المعروف لدى الجميع، والذي لا يبدو أنه متجه نحو تقدم ملموس،الوجه الثاني يكمن في الخلاف السياسي مع الحكومة، فالحكومة تتملكها ريبة وشك من ولاء الشيعة، على الجانب الآخر يسود الشيعة شعور بالتمييز والاضطهاد.
يجدر بنا هنا الاعتراف بحقيقة وأهمية هذه الخلاصة، التي لا أذكر باحثاً جاداً لم يتوصل إليها، لذا فان المساهمات الجديدة ينبغي أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، أي بطرح معالجات جدية لهاتين النقطتين، بدلاً من الاكتفاء بسردهما، أو بأسر الناس في شرنقة الماضي عبر تكرار ارتداد ممل للثورة الاسلامية في ايران التي غدت مشجباً تعلق عليه كل مشكلة يكون الشيعة طرفاً فيها، حيث يعتقد بعض هؤلاء ان الثورة شكلت الذخيرة التي تزود بها الشيعة في مواجهتهم السياسية مع الحكومات، وإنهم قد يشكلون طابوراً خامساً لخدمة المشروع الإيراني في المنطقة مستقبلاً بسبب وجود المراجع الدينية هناك، ويتعامى هؤلاء عن أن العلاقة مع المرجعية الدينية هي محض روحية، لم يثبت ارتباطها بالسياسة، وعلى العكس تماماً نجد بعض الشيعة يكنون للثورة وقائدها كل الاحترام ويعتقد جزء غير بسيط منهم أنه لولا الثورة لتحولوا لهنود حمر جدد، يقال كل ذلك عن الثورة وزعيمها بالرغم من وجود جيل جديد من الشيعة لا يعرف عن الثورة الخمينية إلا ما يُكتب في الصحف السعودية!.
من الواضح أن نشوب حالة عداء مؤقت مع إيران أحمدي نجاد قد أباح للإعلام التسلل لحريم المعتقدات الشيعية، لكن الأكثر وضوحاً هو الخشية من انفراط عقد الشيعة من يد الحكومات المتزينة به؛ نتيجة الهجمة الإعلامية والسياسية الشرسة ضدهم والتي انطلقت بفرية «الهلال الشيعي»، لذا فقد فطن بعض الخبراء لضرورة تسويق الفصل بين تشيع صفوي لبلاد فارس وتشيع علوي للعرب تحسباً لسقوط حبات العقد الشيعي في يد طهران لكثرة شده. إذاً، صال الكاتب إبراهيم وجال برفقة الكاتب تركي الدخيل على نقاط عدة ولكثرة المواضيع التي تناولها الكاتب في الحلقة ولضيق الوقت فقد خلط الكاتب الحابل بالنابل. واخطر ما في هذا الخلط أنه يربط بين الحقيقة الجزئية أو نصف الحقائق وبين التزييفات، لكن التزييفات يمكن اكتشافها وفضحها بسهولة على عكس الحقائق الجزئية التي عادةً ما تكون أكثر خبثاً بحسب الكاتب صامويل هنتنجتون، لذا فان الحقائق الجزئية تبدو مقنعة، لأن بعض الأدلة تدعمها، وهذا الكلام ينطبق على ارتباط الشيعة بالمرجعية الخارجية وهي حقيقة تسقطها كذبة تبرير التمييز الطائفي تحت عنوان «الولاء للخارج».. وللحديث بقية.